سهيلة عبد الباعث الترجمان

761

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

والتحلّي « * » ، والتّخلي « * * » كما يقول الصوفية . ومن هنا فكل قائل بوحدة الوجود فهو واصل حتما إلى هذا الحال من حيث الفناء باللّه والبقاء به . وهكذا أطلعنا الجيلي على جانب هام من جوانب حياته الصوفية العميقة التي ذاقت فنطقت ، وشاهدت فعرفت فكان له كشف وشهود عياني لما حجب عن غيره من العوام . وقد صرّح بأنه انفرد بوضع أمور لم يسبق إليها ، وذلك دليل على قربه وفوزه بالعلم الكشفي الذوقي ، لذلك دعا إلى فهم عباراته وأقواله فقال : " فافهم ما أشرت لك في هذه العبارات في جميع كتابي هذا ، إذ أكثر مسائل هذا الكتاب مما لم أسبق إليه ما خلا المصطلح عليها . . . بل أعطاني العلم بذلك بشهوده بالعين التي لا يحجب عنها شيء في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلّا في كتاب مبين . . . ولا يعرف هذا إلا بطريق الكشف ، فإنا شهدناه عيانا ، وأيّد ذلك الإخبارات الإلهية فيما نقل إلينا . . . فإيماننا اليوم بالغيب إيمان تحقيق لا إيمان تقليد ، ولا غيب عندنا إلا من حيث نسبة الموطن ، وإلّا فغيبنا هو شهادتنا وشهادتنا هو غيبنا " « 1 » . وبعد عرضنا لرأي الجيلي في وحدة الشهود نتساءل : هل كانت نظريته في وحدة الشهود قائمة على أساس فلسفي ، أم على أساس فلسفي ، أم على أساسي صوفي ، أم أنه من القائلين بالحلول في وحدته هذه ؟ إن ما عبر عنه الجيلي في جميع أقواله وأفكاره عن مذهبه في الوحدة ، كقوله بوحدة اللّه والعالم ، وأنه ليس للعالم وجود غير وجود اللّه ، فإنه لا سبيل إلى معرفته بالعقل إذ لا حظّ للعقل في تحقيق ذلك ، حيث أن معرفته بهذه الوحدة لا يصل إليها إلّا عن طريق التجليات والمجاهدة والاستغراق في الفناء ، وسبيل ذلك كما يرى هو القلب الذي يصل به إلى معرفة الحق وتوحيده ، فيكون الفناء عن شهود كل ما سوى اللّه فناء

--> ( * ) التحلّي : وهو عبارة عن وجود العبد الكامل صفات الرب بكمالها في نفسه من غير تعمل ولا نسبة اتحاد بل كما يجد صفات نفسه لنفسه في نفسه ، وكل هذا يجده في الباطن ولا يقدر على إظهار الأثر في الظاهر ( رسالة أربعون موطن ، ص 48 ) . ( * * ) التخلي : اختيار الخلوة والإعراض عن كل ما يشغل عن الحق ، ( اصطلاحات الصوفية لابن عربي الواردة في الفتوحات ، التعريفات ، ص 239 ) . ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص . ص 52 - 53 .